القاضي عبد الجبار الهمذاني

131

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : إنا نقول : إن قوله يدل على أنه لا أحد يدّعى نسخ شريعته ، تظهر المعجزات عليه . قيل لهم : أفلستم تقرون أنها لو ظهرت عليه لكان نبيا ، كما نقر بأنها لو لم تظهر عليه لم يكن نبيا ؛ فلا بد من الإقرار بذلك ، لأنهم متى لم يقروا به تقضوا دلالة المعجزات على النبوّات ، فإذا صح ذلك فيجب أن يكون الكلام في معجزات نبينا عليه السلام ، فإن ثبتت خرج ما نقلوه ورووه من أن يكون قادحا ؛ وإن لم تثبت ففقد نبوّته عن تمسكهم بما نقلوه واحتجاجهم به ، لأن فقد نبوّته ، في أنه ليس بنبي أقوى من كل خبر يوردونه في هذا الباب ؛ وهذا يوجب اطراحهم الاستدلال بخبرهم ؛ وأحد ما يقال في ذلك : أن الخبر الّذي تعلقوا به ليس هو باللغة التي نعرفها فنتكلم على ظاهرها أو مجازها ؛ وإنما يرجع إن كان . ثابتا في المراد بذلك إليهم ، وهم ممن اعتقد أن نسخ شريعة موسى عليه السلام لا يصح ، ولا يقع ، فهم يتأولون الخبر على ما يطابق مذهبهم واعتقادهم ، فسبيلهم في ذلك سبيل من اعتقد التشبيه ، أو المجير ، في أنه يتأول ما في كتاب اللّه تعالى للعجم والنبط ، ومن لا يعرف اللغة العربية على موافقة مذهبه ؛ فإذا صح ذلك فكيف السبيل إلى جعلهم ذلك حجة علينا ، والحال فيه ما ذكرناه ! ؛ وهذا الوجه ليس بحاصل في المعجزات لأنه يمكننا أن نكشف وجه كونها دلالة للقوم ، كما نكشفه لغيرهم ، فيجب أن تكون المعجزات قاضية على خبرهم ، للوجه الّذي ذكرناه . . يبين ذلك أن ظاهر خبرهم ودلالة المعجز كالمتناقض فلا بد من التمسك بأحدهما ؛ فإذا كان لنا سبيل إلى معرفة أحدهما ، وإلى تثبيته على الخصم ، وليس لنا سبيل إلى معرفة الآخر ، فيجب أن نحمل ذلك على ما يطابق المعجز .